سوريا وتحدى التفاوض الإستراتيجى

تدخل سوريا الدولة تحت قيادة الرئيس بشار الأسد، والمجتمع تحت قيادة اللجنة العليا للمفاوضات مع تعدد المرجعيات الاجتماعية السورية، مفاوضات استراتيجية بغرض إعادة هيكلة الدولة والمجتمع السوريين. وصرح دى ميستورا، عشية المباحثات بين الأطراف السورية فى جنيف بأن أجندة المحادثات بين الأطراف السورية واضحة جدا وتقوم على قرار الأمم المتحدة أى تشكيل حكومة ودستور جديد وإجراء انتخابات جديدة تحت اشراف الأمم المتحدة. الأمر الذى يشبه إلى حد كبير خبرات الأمم المتحدة التى اكتسبتها من ارجاع الفلبين وأندونيسيا للحكم المدنى فى السنوات الأخيرة من القرن الماضي.

وصرح المبعوث الأممى إلى سوريا ستفان دى ميستورا بأن إعلان جنيف يشكل «الكتاب المقدس» للمفاوضات السورية، مشيرا إلى استبعاد التقسيم مع إمكانية مناقشة خيار الفيدرالية. قد تم اختيار مصطلح «الحكم» بعناية فى النصوص. هذا وقد قررت المعارضة السورية، التى قاطعت افتتاح محادثات جنيف 3، المشاركة فيها بارسال وفد يتكون من 3 أشخاص، حسب ما صرح به أحد أعضاء الهيئة العليا للمفاوضات قررت ارسال وفد مقتضب إلى جنيف، وأنه من الممكن إجراء لقاءات مع مسئولين من الدول الكبرى فى إطار التفاوض لا غير، حسب ما جاء على لسانه. وافاد ستيفان دى ميستورا، بأن سوريا بحاجة إلى دستور انتقالي، مشيرا إلى وجود التزام بايصال المزيد من المساعدات الإنسانية إلى المناطق المحاصرة.

وتشير عملية التفاوض الاستراتيجى إلى ممارسات إعادة هيكلة العلاقات الدولية بين الأطراف الوطنية والاقليمية والدولية، على المستوى المفهومى ونفرق بين مجال العلاقات الدولية ومجال الهيكل الدولي، حيث يشير مجال العلاقات الدولية إلى التفاعل وفق القواعد التى ارساها هيكل العلاقات وعدم التغيير الجذرى لهذه القواعد، إذن التفاوض الاستراتيجى مرتبط بالتفاوض حول تغير هيكل المجال الدولي، فى قول آخر، هو التفاوض لتغير القواعد الحاكمة للتفاعل الاستراتيجى على المستوى الوطنى أو الاقليمى أو الدولي. الأمر الذى يطرح فى الحالة السورية الانتقال من منطق الدولة البسيطة دستوريا إلى الدولة التى يجرى عليها التجريب الفيدرالي. التفاوض الاستراتيجى مرتبط ويهدف إلى إعادة هيكلة قواعد إدارة الدولة والمجتمع فى سوريا. والحالة السورية مختلفة للأسف عن الحالة العراقية التى اختارها الأمريكان كمثال للتمثل الاقليمى فى الشرق الأوسط الجديد.

التفاوض الاستراتيجى العراقى فشل فشلا زريعا حتى وصل الأمر لدى بعض القيادات الأمريكية المدنية أو العسكرية بالدعوى إلى تقسيم العراق كوسيلة للخروج من أزمات الدولة والمجتمع العراقيين. الأمر الذى يوضح فشل التفاوض الاستراتيجى الأمريكى فى إعادة بناء الدولة العراقية الجديدة بعد قيام القوات الأمريكية والبريطانية بتدميرها كنموذج للهو الدولى فى تحطيم الدول والأمم.

التحدى الذى تواجه سوريا هو التفاوض الاستراتيجى الناجح لتحقيق انتقال سوريا من حالة الفوضى العسكرية إلى حالة بناء تعددية مجتمعية فى إطار وطن واحد، وهناك العديد من المخاطر الداخلية والاقليمية التى قد تدفع سوريا إلى مسار الفشل الذى لا يتمناه الوطنيون المخلصين. وتتلخص مسارات النجاح فى المفاوضات الاستراتيجية فى ثلاثة مسارات كبرى تبدو حتى الآن أن سوريا الدولة أكثر من سوريا المعارضة حرصا عليها. الاستراتيجيات هي:

أولا: استراتيجية الدفع للمواقف والتحولات الملائمة، ويقصد بذلك أن يكون البدء فى التفاوض الاستراتيجى منهجيا بشكل يسمح بفتح تدفق المواقف والتحولات المتزامنة والمتزنة بين الأطراف.

ثانيا: استراتيجية تطوير الخيارات المستقبلية، ويقصد بذلك أن يقوم كل طرف برسم المسارات البديلة والممكنة والمحتملة وكيفية المزج بينها وتحديد مستويات المزج، هذا مع كيفية قيام كل طرف بتحديد توقيتاته للالتزام الدولي.

ثالثا: استراتيجية تجنب المواقف والتحولات غير المرغوبة، ويقصد بذلك كيف يقوم كل طرف بحماية مواقفه وتحولاته بشكل لا يسمح للقوى المعادية أو المنافسة بافسادها أو التلاعب بها أو إعادة تفسيرها بشكل زائف أو مغرض وهناك العديد من التقنيات الفنية فى هذا الصدد.

إن النجاح فى عقد تواصل هيكلى ومستمر وتكامل بين الاستراتيجيات الثلاثة، الدفع والتطوير والتجنب، يسمح لسوريا دولة ومجتمعا إلى الوصول إلى شط إعادة الهيكلة المطمئنة.


لمزيد من مقالات د.جهاد عودة

رابط دائم: 

Related posts