الحريري: إنهاء الفراغ ضرورة لإعادة إطلاق عجلة الدولة والاقتصاد

أشار الرئيس سعد الحريري الى «أننا في لبنان نعاني مشكلات كبيرة، وعلى رأسها مشكلة الفراغ في رئاسة الجمهورية»، مؤكداً أن انتخاب رئيس وإنهاء الفراغ، هما المدخل الأساسي لمعالجة كل المشكلات». وشدد على أن «إنهاء الفراغ، اليوم قبل الغد، ضرورة لإعادة إطلاق عجلة الدولة، ومؤسساتها، ولإعادة إطلاق عجلة الاقتصاد والعودة إلى النمو، وإلى إيجاد فرص العمل لمحاربة الأسباب الحقيقية للفقر«، مذكراً بـ«أننا في تيار المستقبل نقول دائماً، وعن حق، نحن تيار الاعتدال، والسد المنيع في وجه التطرف، لكن التطرف يعيش على اليأس، واليأس يعيش على الفقر، والفقر واليأس لا طائفة لهما، ولا منطقة، ولا أي هوية خاصة». ورأى أن «لا شيء أكثر إلحاحاً من أن أكثر من 250 ألف لبناني ولبنانية يضطرون للعيش بأقل من 9 آلاف ليرة في اليوم. هؤلاء هم الأكثر فقراً والأكثر عوزاً في لبنان. وهذا الوضع، وصمة عار علينا جميعاً».

كلام الرئيس الحريري جاء خلال رعايته في «بيت الوسط» عصر أمس، حفل إطلاق حملة دعم مشروع «إزالة الفقر والعوز المدقع في لبنان»(أفعال)، وهو اقتراح القانون الذي تقدم به النائب روبير فاضل الى المجلس النيابي، في حضور نائب رئيس مجلس النواب فريد مكاري، الوزراء: سجعان قزي، نبيل دي فريج ورشيد درباس، رئيسة كتلة التربية النيابية النائب بهية الحريري، نواب كتلة «المستقبل« وعدد من النواب والديبلوماسيين العرب والأجانب ومدير إدارة الشرق الأوسط في البنك الدولي فريد بلحاج وممثلين عن المنظمات الدولية والجمعيات الأهلية وشخصيات مصرفية.

بلحاج

استهل الحفل بالنشيد الوطني اللبناني، ثم ألقى بلحاج كلمة بدأها بشكر الرئيس الحريري «على حضوره ورعايته لهذه المبادرة النبيلة«. كما خص بالشكر «النائب روبير فاضل والزملاء النواب الكرام على جهودهم الحثيثة في سياق مكافحة الفقر والحرمان في لبنان، وذلك بالأخص في ظل الأزمات المتتالية التي يمر بها البلد«.

وقال: «يشرفني أن أكون معكم اليوم في بيت الوسط لدعم القانون المقترح من قبل سعادة النائب روبير فاضل والمتعلق بإنشاء برنامج «أفعال» للحد من الفقر ومعالجة هذه الظاهرة الخطيرة. فإذا ما تمت المصادقة على هذا القانون في البرلمان، سوف تُعتبر تلك الخطوة المرحلة الأهم نحو تفعيل عملية القضاء على الفقر المدقع والحرمان على المستوى الوطني في لبنان«.

وأشار الى أن «لبنان يواجه اليوم تحديات اقتصادية واجتماعية قاسية، تضعف مناعته الداخلية. بعض تلك التحديات ظهر نتيجة للأزمة السورية، والبعض الآخر كان راسخاً في صميم البلاد ما قبل هذه الأزمة. ومن ضمن هذه التحديات التحدي الأهم هو مستوى الفقر الذي يعانيه هذا البلد الغني بثقافته وطاقاته وصلابة شعبه«، موضحاً أنه «بناءً على دراسة حديثة أعدّها البنك الدولي بالتعاون مع إدارة الإحصاء المركزي، تشير البيانات إلى أن ربع مليون مواطن لبناني (235 ألف مواطن) يعيشون في حالة فقر مدقع، أي بأقل من 5,7 دولارات أميركية في اليوم الواحد، ممّا يعني أن 8 في المئة من اللبنانيين لا يستطيعون تأمين الحاجات الغذائية اليومية لهم ولأطفالهم. كما أن هناك ما يقارب المليون مواطن يعيشون بأقل من 8,7 دولارات أميركية في اليوم. وتدل الأرقام على أن 27 في المئة من اللبنانيين هم من الفقراء الذين لا يستطيعون تلبية حاجاتهم المعيشية الأساسية. وتتزايد نسبة الفقر لتبلغ 36 في المئة في شمال لبنان و38 في المئة في البقاع«.

ولفت الى أن «الأزمة السورية والتدفق الهائل للاجئين السوريين إلى لبنان خلال الأعوام الخمسة الماضية ساهما في تزايد نسبة الفقر، بحيث نقدّر بأنه، بالإضافة الى الأعداد التي سبق وأشرت اليها، فإن 200 ألف لبناني قد دخلوا إلى حلقة الفقر بسبب هذه الأزمة«. وكرر القول: «إن على المجتمع الدولي أن يبذل المزيد من الجهود لمساعدة لبنان. وفي الوقت نفسه، تعتبر المبادرات الجدية كتلك التي نطلقها اليوم من أهم العناصر في عملية القضاء على الفقر. إن التحديات قد بلغت ذروتها، فبرنامج «أفعال» هو مبادرة هامة ومطلوبة في مثل ظرف كهذا. ويرمي البرنامج المطروح إلى تقديم مساعدات نقدية تهدف الى تعليم الأطفال وبناء قدرات الأهل. ونحن ندرك، بحسب الخبرات العالمية، أن مثل هذا البرنامج هو من أنجع الوسائل التي أدت إلى الحد من الفقر«.

أضاف: «إن برنامج «أفعال» يأتي متكاملاً مع البرنامج الوطني لاستهداف الأسر الأكثر فقراً الذي بدأ تنفيذه عام 2009، والمعروف باسم «حلا». وقد ساعد البنك الدولي الحكومة اللبنانية على صياغة المشروع وتنفيذه، وقدّم نحو 25 مليون دولار أميركي على شكل هبات لتوفير الدعم التقني والمالي. ويتم حالياً، تحت قيادة معالي الوزير رشيد درباس، ورئاسة مجلس الوزراء، تقديم الخدمات التربوية والصحية المجانية لأكثر من 125 ألف لبناني خلال استخدام أهم وأحدث التقنيات لاستهداف الفقراء، بالإضافة الى استفادة أكثر من 30 ألف مواطن لبناني من بطاقة إلكترونية لتغطية حاجاتهم الغذائية الأساسية. كما يسعى البرنامج الى تمكين العائلات الأكثر فقراً من الخروج من حلقة الفقر«.

وأكد «أننا نفتخر بأننا قد ساهمنا في إطلاق هذا المشروع مع الحكومة اللبنانية، وقد ازداد عدد الشركاء وتوسعت شبكة الدعم عبر السنين لتتضمن كلاً من برنامج الغذاء العالمي، والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة، وعدد من المانحين، والمنظمات غير الحكومية«.

وذكر بأن «رئيس البنك الدولي د. جيم يونغ كيم خلال زيارته الأخيرة للبنان، تأثر بما رآه من حجم الأعباء التي ترهق الفئات الفقيرة في لبنان. وقد رأى في هذا القانون حلاً مرضياً وناجعاً للحد من الفقر ولتوفير العيش الكريم للمواطن اللبناني، وشدد على أهمية المصادقة عليه. فإذا ما تمت المصادقة عليه، سوف ينضم لبنان إلى الستين بلداً من الذين يطّبقون البرنامج، كالبرازيل والمكسيك والفليبين وإندونيسيا«، موضحاً أن «كلاً من الرئيس كيم، والأمين العام للأمم المتحدة السيد بان كي مون، ود. محمد علي رئيس البنك الإسلامي للتنمية، شددوا خلال زيارتهم للبنان الأسبوع الماضي، على ضرورة تفعيل المؤسسات العامة فيه. فيبقى ذلك العنصر الأساسي في عملية مكافحة الفقر والحرمان، وتنفيذ البرامج الوطنية كتلك المطروحة اليوم. وكخطوة أولى، نذكر بضرورة المصادقة على قانون موازنة مالية تخدم المصلحة العامة وتعالج الفراغ المؤسساتي الذي يعانيه البلد. وكما ذكر دكتور كيم في أكثر من مناسبة: «ساعدونا على مساعدتكم». قد يكون برنامج «أفعال» الخطوة الأولى للبنان لمساعدة نفسه«.

فاضل

ثم تحدث النائب فاضل فقال: «شكراً دولة الرئيس على دعوتك ودعمك لاقتراح قانون «أفعال - لإزالة الفقر والعوز المدقع في لبنان«. اسمحوا لي أن أبدأ ببعض أرقام الفقر السهل فهمها وحفظها: فكما سبق أن قال السيد بلحاج، لدينا في لبنان لبناني يعيشون تحت خط الفقر ومنهم تحت خط الفقر المدقع أو المطلق.

من كل الطوائف والمناطق يعيشون بأقل من دولارات في اليوم، وهذا طبعاً لا يسمح لهم بتغطية حاجاتهم الأساسية. والأسوأ أن أولادهم لا يذهبون إلى المدرسة، وخصوصاً حين يصبحون في سن يستطيعون فيه العمل ويتحولون الى مصدر دخل للعائلة. وما يزيد الطين بلة، أن النازحين السوريين توجهوا إلى المناطق الأفقر، واستقبلهم أهلها الذين هم أصلاً بأمس الحاجة الى دعم واهتمام، وتقاسموا معهم بيوتهم وأكلهم وشربهم. وفي الوقت نفسه، المنطقة تغلي بسبب التطرف والعنف وبسبب فشل معظم الأنظمة في معالجة القضايا الاجتماعية حتى صارت أي حركة إرهابية قادرة على جذب الشباب الذين فقدوا الأمل بمستقبل أفضل. إزاء ذلك، بات واضحاً أن مكافحة الفقر تخطت من جهة البعد الإنساني والأخلاقي وصارت من ثوابت السلم الأهلي والاستقرار، ومن جهةثانية أن جمع الفقر مع عدم التعليم يؤدي عملياً الى توريث الفقر ودوامة اليأس. هذه باختصار الأسباب الموجبة لقانون «أفعال». واليوم، بتبني رئيس تيار المستقبل وأكبر كتلة نيابية اقتراح «أفعال»، بات هناك أمل كبير أن تكون للدولة نية وعزم لمعالجة الفقر المطلق وأسبابه«.

أضاف: «كيف يستطيع برنامج «أفعال» أن يعالج الفقر المطلق؟ الجواب بسيط: بمساعدة نقدية مشروطة بتعليم الأولاد وتدريب الأهل. المساعدة النقدية قيمتها ثلث الحد الأدنى، أي ل.ل. كل شهر لكل عائلة تحت خط الفقر المدقع وتستوفي شرطين: الشرط الأول، تعليم أولادها القاصرين، علماً أن وزارة الشؤون الاجتماعية تغطي رسوم التسجيل وصندوق المدرسة للجميع. والشرط الثاني، التحاق الأهل بدورات تدريب مهني مجانية لكي يكسبوا مهارات جديدة ويتمكنوا من إيجاد فرص عمل. وقد بينت التجارب العالمية في أكثر من دولة فعالية ما يسمى بالمساعدة النقدية المشروطة وانعكاسها الإيجابي على مستوى الفقر. وهذا ما أكده رئيس البنك الدولي الذي كان له موقف لافت الشهر الماضي في ختام زيارته للبنان مع الامين العام للأمم المتحدة حين قال، وهنا سأكرر كلامه: «أحث البرلمان اللبناني على إقرار «قانون أفعال لإزالة الفقر والعوز المدقع في لبنان» الذي تجري الآن مناقشته. وإذا أقر هذا القانون، فإنه سيكون خطوة شجاعة ومهمة للبنان على طريق مكافحة الفقر وتعزيز الرخاء المشترك«».

وتابع: «ما الفرق بين قانون «أفعال» والبرنامج الوطني لدعم الأسر الأكثر فقراً الموجود حالياً في وزارة الشؤون الاجتماعية؟ تبين من خلال الشرح الذي قدمه الأستاذ بلحاج، أن وزارة الشؤون الاجتماعية قامت بعمل جبار بمساعدة البنك الدولي لمسح الأسر الأكثر فقراً في لبنان وتأمين الأدوات الأساسية لمكافحة الفقر. ووضعت قاعدة بيانات فيها أكثر من ألف عائلة، وهي حالياً قيد المراجعة والتدقيق. وأنشأت أكثر من مركزاً اجتماعياً على كل الأراضي اللبنانية وبدأت تقديم مساعدات صحية ومدرسية وغذائية. وفي هذه المناسبة أوجه التحية الى صديقي وزير الشؤون الاجتماعية الأستاذ رشيد درباس وسلفه الوزير وائل أبو فاعور وكل الوزراء الذين عملوا على هذا المشروع وأهنئهم على ما أنجزوه«.

وأوضح أن «هذه المنظومة هي القاعدة التي نريد أن نبني عليها برنامج «أفعال»، ولكن فيها بعض النواقص التي سيسدها هذا القانون: أولاً، الموازنة غير كافية لمساعدة كل الأسر الأكثر فقراً. ثانياً، المساعدات غير مشروطة وبالتالي لا تؤمن معالجة أسباب الفقر من خلال تعليم الأولاد وتدريب الأهل لكي يتحولوا الى عناصر منتجة. وثالثاً، لا نستطيع أن نؤمن استمرارية منظومة مكافحة الفقر اذا لم تصبح قانوناً، وهذا أحد أهداف قانون «أفعال». فباختصار، برنامج أفعال سوف يستند الى البرنامج الوطني لدعم الأسر الأكثر فقراً (NPTP) ويوسع نطاقه وموازنته ويؤمّن استمراريته ويعالج أسباب الفقر إضافة الى نتائجه«.

وقال: «يبقى موضوع تمويل هذا البرنامج: كلفته السنوية هي مليون دولار. والأرجح أقل لأنها في الواقع قد لا تستوفي من الأسر الشروط المطلوبة للحصول على المساعدة. وهنا أود أن أركز على نقطتين: النقطة الأولى أن هذا المبلغ ضئيل جداً أولاً بالنسبة الى عدد المستفيدين، أي لبناني، وثانياً لإمكانية الحد من معاناتهم التي لا نستطيع أن نصفها، وثالثاً لإيجابيات تأهيلهم وتعليم أولادهم والاستثمار بطاقاتنا البشرية. والنقطة الثانية، أنه من المعيب على الدولة والقائمين عليها التذرع بعدم إمكانية تأمين هذا المبلغ الضئيل نظراً الى الهدر الموجود في الدولة. فـ70 مليون دولار أقل من 5 من عجز الكهرباء وأقل من من زيادة سلسلة الرتب والرواتب، من دون أن نأخذ في الاعتبار المساعدات الدولية علماً أن المنظمات الدولية والدول المانحة ساهمت في تمويل البرنامج الوطني لدعم الأسر الأكثر فقراً أكثر من الدولة اللبنانية. ويتوقع الخبراء أن تصل المساعدات الدولية لمكافحة الفقر إلى مليون دولار في السنوات الخمس المقبلة. قلتها في الماضي وأكررها: دولة تتردد في صرف مليون دولار لمكافحة الفقر المطلق أو تتكل على الخارج لمساعدة الفئات الأضعف من المجتمع هي دولة ساقطة بكل معايير الأخلاق والإخلاص والمصلحة العامة«.

وسأل «ما الذي يقف في طريق إقرار هذا القانون؟«، مشيراً الى أنه «بعد سنة ونصف السنة من تقديم هذا الاقتراح والمماطلة في إقراره، رغم تجاوب واهتمام رؤساء لجان الصحة والمال واللجنة الفرعية المعنية، بات واضحاً أن بعض القيادات غير معنية بمكافحة الفقر المدقع أو هو ليس على رأس أولوياتها لأسباب عدة: السبب الأول أن بعض القيادات غير مهتم لأنه ببساطة الفقراء ليست لديهم نقابات ولا أحد يطالب بحقهم. والبعض، لأن تمويل هذا البرنامج يتطلب وقف جزء صغير جدا ًمن الهدر، وكي لا أستخدم عبارة أخرى، وهذا من المحرمات. والبعض، لأن هذا الاقتراح يحرر لبناني من الخدمات والمساعدات الشخصية التي يقدمها معظم الزعماء والأحزاب، وبالتالي يحد من إمساكهم بحياة وصوت قاعدتهم الانتخابية الأساسية. والبعض في حالة إنكار، وكأن الفقر غير موجود في لبنان أو أنه يعني شريحة صغيرة من اللبنانيين أو طائفة معينة أو منطقة. والبعض الأخير، لأن هذا الاقتراح قدمه نائب مستقل وبالتالي لا يسجل في خانتهم في اللعبة السياسة الضيقة«.

(التتمة ص3)

Related posts